الرياضة صارت مسيّسةً

الرياضة صارت مسيّسةً

وللرياضة نصيب من الاهتمام, بل لها النصيب الأوفر في عالم اليوم, فدعونا نبتعد قليلاً عن عالم السياسة وزواريبها ومطباتها وكواليسها ونتحدث قليلاً عن الرياضة, وتحديداً عن الحدث التاريخي المتمثل بفوز الشقيقة قطر بشرف تنظيم نهائيات كأس العالم في كرة القدم عام 2022.

لا شك في أن السعادة غمرت قلوب كل العرب والمسلمين والعالم الثالث عندما خرج اسم قطر من مظروف جوزيف بلاتر. ‏

ولا شك في أن الدهشة عقدت ألسنة معظم المراقبين الذين لم يكونوا يتوقعون هذا الانتصار الكاسح لقطر, تلك الدولة الصغيرة, نظراً لحجم المنافسة الحامية التي كانت تدور بينها وبين دول كبرى ذات وزن على الساحة الدولية مثل: الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا. ‏

نعم.. لقد عقدت الدهشة ألسنة قادة و رؤساء وهيئات ودول, وأخرجت أشخاصاً عن توازنهم فأفرجوا عن حقيقتهم المعادية للشعوب والرافضة للديمقراطية الحقيقية. ‏

قلنا: إننا سنبتعد عن السياسة ونتحدث عن الرياضة, فإذا بنا نغوص في أعمق أعماق السياسة, وإذا بالرياضة تقودنا عنوةً إلى لجة السياسة. ‏

والقصة باختصار أن سيد البيت الأبيض لم يستطع أن يتمالك أعصابه ويخفي غضبه, وهو يشهد هزيمة بلاده أمام دولة كقطر, فهاجم الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» وقال: إن «الفيفا» أخطأت عندما أسندت تنظيم كأس العالم 2022 إلى قطر متجاوزةً الولايات المتحدة الأمريكية. ‏

لقد حشدت الولايات المتحدة جيشاً من الساسة والرياضيين والفنانين البارزين والإعلاميين للفوز بتنظيم كأس العالم, فظهر أوباما شخصياً عبر فيلم مسجل في حفل «الفيفا» في زيوريخ الذي خصص لاختيار البلدين اللذين سينظمان بطولتي 2018و2022, كما حضر الرئيس الأمريكي الأسبق وليم جيفرسون كلينتون (بيل كلينتون) شخصياً الذي حاول استخدام «الكاريزما» الخاصة به للتأثير في خيارات الفيفا, كما حضر واحد من عمالقة هوليوود للغرض ذاته, لكن كل هذا الحشد وكل الكلمات الذهبية والعبارات الرنانة لم تستطع منع فريق قطر الشاب والممتلئ حيويةً ونشاطاً وعزيمةً من تحقيق هذا الانتصار الباهر الذي, وإن كانت قطر بطلته المتوّجة, فإنه يسجل للعرب, كلّ العرب. ‏

أمام ذلك كان لا بد لغضب أوباما من أن يظهر إلى العلن, لأن الولايات المتحدة لم تعتد الهزيمة وهي تظن أن قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية كفيلة بكسر إرادة الشعوب, حتى في المجال الرياضي, لكن هذه المرة خاب أملها, وهذا ما جعل غضب أوباما وإدارته يتفجّر ويعلن: إن «الفيفا» أخطأت. ‏

الحكاية ليست في فوز قطر وهزيمة الولايات المتحدة, بل في طريقة الحياة الأمريكية التي تحاول كل الإدارات تسويقها إلى العالم. ‏

لقد سمعنا عبارة «طريقة الحياة الأمريكية» آلاف المرات, إن كان عبر الساسة والإعلاميين والأمريكيين العاديين, أو كان عبر أفلام هوليوود التي تصور الأميركي على أنه عملاق, قوي, و«سوبرمان» قادر على هزيمة جيش كامل بمفرده, ولكن هل كل أمريكي هو رامبو؟ وهل يوجد شخص ما على وجه البسيطة يمتلك صفات ذلك الشخص الخرافي الذي اسمه رامبو؟ ‏

والحكاية أيضاً أن الولايات المتحدة التي تتشدّق بالديمقراطية ليل نهار, وتزعم أنها تدافع عن هذه الديمقراطية, وأن حروبها التي تدمر من خلالها دولاً وتقتل مئات آلاف البشر, وتقضي على الزرع والضرع هي لنشر الديمقراطية, الولايات المتحدة هذه لا يمكنها أن تستوعب فوز مَنْ ترى أنهم خصومها في انتخابات ديمقراطية حتى لو كان ذلك في المجال الرياضي. ‏

الولايات المتحدة لا تتحلى بالروح الرياضية على الإطلاق, ولو كانت كذلك, فإنه كان يجب على أوباما, -الذي راهن عليه بعض العرب- أن يعترف بالهزيمة, وأن يتصل بأمير دولة قطر لتهنئته على هذا الفوز, لا أن يخرج عن توازنه ويعد قرار «الفيفا»قراراً خاطئاً. ‏

وقد كانت قطر- الدولة الصغيرة في موقعها, الكبيرة في تصرفاتها- كبيرة أيضاً في ردها على موقف أوباما, إذ أعلن وليّ عهدها أن ما صدر عن أوباما «زلة لسان و.. الله يسامحه»! ‏

لكننا, كأعلاميين وشعوب, لا نتقن اللغة الدبلوماسية, ونعلن أن ما قاله أوباما ليس زلة لسان, وفي الوقت نفسه لا نسامحه, ولا نسامح كل الإدارات الأمريكية, من جورج واشنطن إلى أوباما, على ما فعلته ضد العرب وحقوقهم وضد شعوب الأرض قاطبة بدءاً من سكان أمريكا الأصليين «الهنود الحمر» إلى ضحايا هيروشيما وناغازاكي, وصولاً إلى أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين والعرب أجمعين.. ونطالب باعتذارات علنية عن كل الجرائم التي اقترفها الأميركيون بحق البشرية. ‏

ألا يحق لنا أن نتساءل هنا: إذا كانت الولايات المتحدة التي تدّعي الديمقراطية والدفاع عنها, وإذا كان الحزب «الديمقراطي» الذي يتناوب مع الحزب الجمهوري على تخريب العالم, إذا كانت هذه الدولة العظمى لا تقبل الهزيمة في المجال الرياضي وعبر انتخابات ديمقراطية فكيف لها أن تقبل بصناديق الاقتراع والانتخابات الديمقراطية التي تحمل إلى السلطة قوى مناهضة للسياسة الأمريكية وللعدوانية الأمريكية كما حصل بالنسبة لفوز حركة «حماس» في الانتخابات الديمقراطية, وكما حدث بالنسبة لفوز حزب الله بمقاعد في البرلمان اللبناني, والأمثلة أكثر من أن تعدّد؟ ‏

قلنا: إن حديثنا سيكون عن الرياضة, فإذا بنا نغوص في السياسة, لأن الرياضة صارت مسيّسةً ولأن الإدارة الأمريكية – أي إدارة- ترفض الاعتراف بالهزيمة حتى في المجال الرياضي. ‏

ترى من أخطأ: أوباما أم الفيفا؟ ‏

بغض النظر عن الجواب الذي لا يحتاج إلى كبير عناء, فإننا نتمنى على الرئيس أوباما أن يكبح جماح غضبه, ويتصالح مع نفسه وضميره, ليس في مجال الرياضة فقط, بل في كل المجالات ومراجعة النفس ليست خطيئةً, بل على العكس, الاستمرار في الخطأ هو ذروة الخطيئة, إن لم نقل قمة الإجرام بحق البشرية. ‏

فرحنا لقطر.. وأجبرنا أوباما على أن نشمت بالولايات المتحدة... على الأقل هاهم العرب يحققون نصراً مؤزّراً على الدولة الأقوى في العالم.. وبانتظار انتصارات جديدة لاحقة, وليس في الرياضة فقط. ‏

بقلم : عصام داري

انشر الفيديو
:بواسطة

Âalami Rim

الساعة 14:07 الثلاثاء، 07 دجنبر 2010

اضف تعليق


"Clavier arabe - لوحة المفاتيح العربية"



:مواضيع ذات علاقة

أصغر متسلق لإيفرست أميركي
الرياضة صارت مسيّسةً
الرجاء الحسيمي يوقف زحف اتحاد المحمدية و شباب الريف يعيد الثقة إلى جماهيره
جدول ومواعيد وتوقيت مباريات كأس العالم 2010
القاب فريق الرجاء البيضاوي
sayaha bimadinat alhoceima
دليلك لمتابعة مباريات المونديال على القنوات الفرنسية والألمانية والتركية
رسالة إلى السيد غيريس مدرب المنتخب الوطني المغربي
أزمة الكرة المغربية بدأت حين تحولت آلاف الملاعب إلى مزابل وعمارات
إستراڭيعية وزارة الشباب والرياضة
ثم ماذا بعد الكرة ؟